السيد هاشم البحراني
135
البرهان في تفسير القرآن
وإنما سمت العجم شهورها بآبان ماه ، وآذر ماه ، وغيرهما ، اشتقاقا من أسماء تلك القرى ، لقول أهلها بعضهم لبعض : هذا عيد شهر كذا ، وعيد شهر كذا حتى إذا كان عيد قريتهم العظمى ، اجتمع إليها صغيرهم وكبيرهم ، فضربوا عند الصنوبرة والعين سرادقا من ديباج ، عليه من أنواع الصور ، وجعلوا له اثني عشر بابا ، كل باب لأهل قرية منهم ، ويسجدون للصنوبرة ، خارجا من السرادق ، ويقربون إليها الذبائح ، أضعاف ما قربوه للشجرة التي في قراهم ، فيجيء إبليس عند ذلك ، فيحرك الصنوبرة تحريكا شديدا ، ويتكلم من جوفها كلاما جهوريا ، ويعدهم ويمنيهم بأكثر مما وعدتهم ومنتهم الشياطين كلها ، فيرفعون رؤوسهم من السجود ، وبهم من الفرح والنشاط ما لا يفيقون ، ولا يتكلمون ، من الشرب والعزف ، فيكونون على ذلك اثني عشر يوما ولياليها ، بعدد أعيادهم بسائر السنة ، ثم ينصرفون . فلما طال كفرهم بالله عز وجل وعبادتهم غيره ، بعث الله عز وجل إليهم نبيا من بني إسرائيل ، من ولد يهودا ابن يعقوب ( عليه السلام ) ، فلبث فيهم زمانا طويلا ، يدعوهم إلى عبادة الله عز وجل ، ومعرفة ربوبيته ، فلا يتبعونه ، فلما رأى شدة تماديهم في الغي والضلال ، وتركهم قبول ما دعاهم إليه من الرشد والنجاح ، وحضر عيد قريتهم العظمى ، قال : يا رب ، إن عبادك أبوا إلا تكذيبي ، والكفر بك ، وغدوا يعبدون شجرة لا تنفع ولا تضر ، فأيبس شجرهم أجمع ، وأرهم قدرتك وسلطانك . فأصبح القوم وقد يبس شجرهم ، فها لهم ذلك ، وفظع « 1 » بهم ، وصاروا فرقتين : فرقة قالت : سحر آلهتكم هذا الرجل الذي زعم أنه رسول رب السماء والأرض إليكم ، ليصرف وجوهكم عن آلهتكم إلى إلهه . وفرقة قالت : لا ، بل غضبت آلهتكم حين رأت هذا الرجل يعيبها ، ويقع فيها - ، ويدعوكم إلى عبادة غيرها ، فحجبت حسنها وبهاءها لكي تغضبوا لها ، فتنتصروا منه . فأجمع رأيهم على قتله ، فاتخذوا أنابيب طوالا من رصاص ، واسعة الأفواه ، ثم أرسلوها في قرار العين ، إلى أعلى الماء ، واحدة فوق الأخرى ، مثل البرابخ « 2 » ، ونزحوا ما فيها من الماء ، ثم حفروا في قرارها بئرا ضيقة المدخل ، عميقة ، وأرسلوا فيها نبيهم ، وألقموا فاها صخرة عظيمة ، ثم أخرجوا الأنابيب من الماء ، وقالوا : الآن نرجو أن ترضى عنا آلهتنا ، إذا رأت أنا قد قتلنا من كان يقع فيها ، ويصد عن عبادتها ، ودفناه تحت كبيرها ، يتشفى منه ، فيعود إليها « 3 » نورها ونضرتها كما كان . فبقوا عامة يومهم يسمعون أنين نبيهم ( عليه السلام ) ، وهو يقول : سيدي ، قد ترى ضيق مكاني ، وشدة كربي ، فارحم ضعف ركني ، وقلة حيلتي ، وعجل بقبض روحي ، ولا تؤخر إجابة دعوتي ، حتى مات ( عليه السلام ) . فقال الله عز وجل لجبرئيل ( عليه السلام ) : يا جبرئيل ، أيظن عبادي هؤلاء ، الذين قد غرهم حلمي ، وأمنوا مكري ، وعبدوا غيري ، وقتلوا رسولي ، أن يقيموا « 4 » لغضبي ، أو يخرجوا من سلطاني ؟ كيف وأنا المنتقم ممن
--> ( 1 ) في المصدر : وقطع . ( 2 ) البرابخ : البالوعة الواسعة من الخزف . « أقرب الموارد - برخ - 1 : 35 » . ( 3 ) في المصدر : لنا . ( 4 ) في المصدر : يقوموا .